عبد الشافى محمد عبد اللطيف

374

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الذي جدد انطلاق الإسلام إلى غرب أوروبا عن طريق الأندلس « 1 » . لقد بذل الأمويون جهودا كبيرة طوال نحو ثلاثة قرون - عمر دولتهم في الأندلس - لبناء نهضة حضارية عربية إسلامية عظيمة ، ولم يدخروا جهدا في نقل العلوم العربية الإسلامية ، من المشرق الإسلامي من فقه وتفسير وحديث وأدب . . . إلخ . وظهر في كل تلك العلوم علماء مبرزون وضعوا مؤلفات خلدت أسماءهم ، وكذلك نقلوا العلوم التي ترجمت في المشرق ، مثل الطب والهندسة والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء . . . إلخ . وظهر كذلك في كل تلك العلوم علماء كان لهم شأن عظيم ، ولا يتسع المجال حتى لضرب الأمثلة ؛ لأن تلك الأسماء فوق الحصر ، ويتضح ذلك لمن يطالع بعض أمهات الكتب الأندلسية مثل « تاريخ علماء الأندلس » لابن الفرضي ، و « جذوة المقتبس » للحميدي ، و « الصلة » لابن بشكوال ، و « نفح الطيب » للمقري ، و « الإحاطة في أخبار غرناطة » لابن الخطيب ، و « فهرس ابن خير » ، و « الزخيرة » لابن بسام . . . إلخ . ولقد نجح الأمويون في تحقيق ما قصدوا إليه من بناء نهضة حضارية عربية إسلامية عظيمة على أرض الأندلس وجعلوا منها البقعة الوحيدة المضيئة في غرب أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة ، ولا أدل على ذلك من كثرة المؤلفات التي وضعها الأوربيون أنفسهم إشادة بهذه الحضارة والتي وردت بعض أسمائهم في ثنايا هذا البحث ولا نريد التكرار خوف الملال على القارئ . المهم أن الناس هناك في الأندلس في ذلك الزمان البعيد عاشوا تلك الحضارة العظيمة واستمتعوا بخيراتها وثمارها وبركاتها فسكنوا أجمل المدن ، حيث كانت المدن الأندلسية في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي - وهو عصر الأندلس الذهبي في تاريخها كله - أعمر المدن في القارة الأوربية من أقصاها إلى أقصاها ، فبيوتها وشوارعها نظيفة ، مبلطة ومضاءة بالمصابيح ليلا وترش بالمياه نهارا ، وكان سكان مدينة قرطبة - عاصمة الأمويين - وحدها يزيدون على مليون مواطن ، وقلما عرفت مدينة في الشرق والغرب مثل هذا العدد من السكان في ذلك الزمان ، والناس كلهم تقريبا يتعلمون أفضل تعليم وكان التعليم مجانيّا لغير القادرين ، وإجباريّا

--> ( 1 ) د . محمد عيسى الحريري - الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي ، دار القلم الكويت ، الطبعة الثالثة ، ( 1408 ه / 1987 م ) ، ( ص 220 ) .